محمد بن جرير الطبري

20

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنزيل ولا خبر تثبت حجته ، وغير جائز نقل ظاهر التنزيل إلى باطن بغير برهان . وأما قوله : وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ فإنه معطوف به على قوله : وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ وهو من صفتهم . وتأويله : والذين يعطون زكاة أموالهم من جعلها الله له وصرفها إليه ؛ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني : والمصدقون بوحدانية الله وألوهيته ، والبعث بعد الممات ، والثواب والعقاب أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً يقول : هؤلاء الذين هذه صفتهم سنؤتيهم ، يقول : سنعطيهم أجرا عظيما ، يعني : جزاء على ما كان منهم من طاعة الله ، واتباع أمره ، وثوابا عظيما ، وذلك الجنة . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً يعني جل ثناؤه بقوله : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ إنا أرسلنا إليك يا محمد بالنبوة كما أرسلنا إلى نوح وإلى سائر الأنبياء الذين سميتهم لك من بعده والذين لم أسمهم لك . كما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن منذر الثوري ، عن الربيع بن خثيم في قوله : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ قال : أوحى إليك كما أوحى إلى جميع النبيين من قبله . وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن بعض اليهود لما فضحهم الله بالآيات التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك من قوله : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فتلا ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء بعد موسى . فأنزل الله هذه الآيات تكذيبا لهم ، وأخبر نبيه والمؤمنين به أنه قد أنزل عليه بعد موسى وعلى من سماهم في هذه الآية وعلى آخرين لم يسمهم . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : ثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال سكين وعدي بن زيد : يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى ، فأنزل الله في ذلك من قولهما : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ إلى آخر الآيات . وقال آخرون : بل قالوا : لما أنزل الله الآيات التي قبل هذه في ذكرهم ما أنزل الله على بشر من شيء ، ولا على موسى ، ولا على عيسى ، فأنزل الله جل ثناؤه : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ الأنعام : ولا على موسى ، ولا على عيسى . ذكر من قال ذلك : حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : أنزل الله : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ . . . إلى قوله : وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً فلما تلاها عليهم يعني على اليهود وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة ، جحدوا كل ما أنزل الله ، وقالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء ، ولا على موسى ، ولا على عيسى ، وما أنزل الله على نبي من شيء . قال : فحل حبوته ، وقال : ولا على أحد فأنزل الله جل ثناؤه : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ الأنعام : . وأما قوله : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً فإن القراء اختلفت في قراءته ، فقرأته عامة قراء أمصار الإسلام غير نفر من قراء الكوفة : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً بفتح الزاي على التوحيد ، بمعني : وآتينا داود الكتاب المسمى زبورا . وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين : " وآتينا داود زبورا " بضم الزاي جمع زبر ، كأنهم وجهوا تأويله : وآتينا داود كتبا وصحفا مزبورة ، من قولهم : زبرت الكتاب أزبره زبرا ، وذبرته أذبره ذبرا : إذا كتبته . قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا ، قراءة من قرأ : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً بفتح الزاي على أنه اسم الكتاب الذي أوتيه داود ، كما سمى الكتاب الذي أوتيه موسى التوراة ، والذي أوتيه عيسى الإنجيل ، والذي أوتيه محمد الفرقان ، لأن ذلك هو الاسم المعروف به ما أوتي داود ، وإنما تقول العرب زبور داود ، وبذلك يعرف كتابه سائر الأمم . القول في تأويل قوله تعالى : وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ